أبو علي سينا
مقدمة 20
الشفاء ( الإلهيات )
والمبدأ الأول واحد من جميع الوجوه ، واحد في ذاته ، واحد في صفاته . فلا شريك له ، ولا ندّ ، ولا ضد . برئ من المادة وعلاقاتها ، فلا كمّ له ، ولا كيف ، ولا أين ، ولا متى . وإذن لا جنس له ، ولا فصل ، ولا نوع ، ولا حد ، ولا ماهية . ولا برهان عليه أيضا ، لأنه برهان نفسه ، وبرهان كل شئ سواه . ويمكن أن يقال إنه جوهر ، بل هو الجوهر الحق في الواقع ، إذ لا يوجد في موضوع بحال ، ولكن الأولى ألا يطلق عليه هذا اللفظ « 1 » . وهو خير محض ، لأنه وجود تام ، والوجود خير دائما ، ومصدر الخيرات والكمالات كلها « 2 » . مبرأ من كل عيب ونقص ، فهو جمال وكمال وبهاء ، بل هو غاية في كل ذلك ، ومصدر الكمال والبهاء في كل شيء « 3 » . هو الحق المطلق الذي لا يرقى إليه أي شك ، والاعتقاد بوجوده جازم صادق « 4 » . يعشق ذاته التي هي مبدأ كل نظام ، فهو عاشق ومعشوق في آن واحد ، إلا أن عشقه لا حركة فيه ولا انفعال « 5 » . وأخيرا هو عقل محض يعقل ذاته ، فهو عاقل ومعقول ، وليس في ذلك تعدد البتة لأنه ينصب على شئ واحد « 6 » . وهو في عقله لذاته يعقل أنه مبدأ كل شئ ، فيعقل الموجودات جميعها على نحو كلى لا تشوبه شائبة التغير ولا يختلط بالزمن « 7 » . وكثرة المعقولات لا تؤدى إلى كثرة في ذاته ، لأن تكثرها إنما يتم بعد انفصالها عنه « 8 » . يعقل الأسباب فيعقل مسبباتها ، وبذا يحيط علمه بكل شئ ، « لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض » « 9 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 344 - 354 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 356 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 356 ، 368 - 369 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص 356 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 363 . ( 6 ) المصدر السابق ، ص 357 . ( 7 ) المصدر السابق ، ص 359 . ( 8 ) المصدر السابق ، ص 359 ، 360 - 362 . ( 9 ) المصدر السابق ، ص 359 .